محاضرة المفكر التونسي الدكتور عبدالمجيد الشرفي بعنوان: العرب أزمة واقع أم أزمة فكر؟


محاضرة الدكتورة شروق أمين حول الفن والحريات


الدكتور حنفي وبعض أعضاء تنوير


جمهور ندوة الدكتور حنفي


الدكتور حسن حنفي في ندوة الموروث الديني وأزمة الثقافة العربية


الدكتور فيصل الصايغ في ندوة تطور الجنس البشري


محاضرة الدكتور الزواوي بغورة في تنوير


محاضرة الدكتور محمد قاسم حول الأكوان المتوازية


المفكر العراقي عبدالحسين شعبان باستضافة تنوير


ندوة المفكر السعودي ابراهيم البليهي في تنوير


محاضرة الدكتور غانم النجار حول حقوق الإنسان


محاضرة الدكتور سعد بن طفلة حول المجتمع المدني


محاضرة الدكتور محمد الوهيب حول الهوية الوطنية


محاضرة الدكتور حسين داوود حول الطاقة النووية


لقاء تنوير مع الكاتب الصحفي مظفر رشيد


احتفالية اجتماعية ناقشت كيفية دعم أنشطة تنوير


لقاء تنوير مع الباحث خالد المهدي


لقاء تنوير مع الكاتب الصحفي أحمد الصراف


محاضرة الدكتور شفيق الغبرا حول الحراك وتأثيره في الحريات


تنوير


غبقة تنوير في رمضان 2012


الدكتورة رجاء بن سلامة في ندوة تنوير بالكويت

 
بوابة التعليقات
استكتاب: ماذا بعد الربيع العربي؟
كل الشكر والتقدير لك . .  بواسطة - Aqeel Alijl
حماقة الدفاع عن الله !
جميل ما سطرت.. لكنها لا تعالج لوحدها أزمتنا الدينية/ الاجتماعية .  بواسطة - حميد العراقي
حول تطوير الفهم الديني للعالم
فيا ليت شعري! أين الناس من مثل هذه المقالات؟! لا فُضَّ فوك! .  بواسطة - محمد الشحي
 
 
من نحن

 

 We can easily forgive a child who is afraid of the dark; the real tragedy of life when men are afraid of the light.. Plato

 

نستطيع ببساطة أن نغفر لطفل يخشى من الظلام، لكن المأساة الحقيقية لحياتنا عندما يكون الرجال خائفين من النور.. إفلاطون

 

 

مركز "تنوير" للثقافة، هو مجموعة من الأفراد، تجمعهم رهانات الحداثة وما بعد الحداثة والتراث، تدغدغ مشاعرهم أسئلة تلك الرهانات، منها: من أين جئنا (تاريخيا)، وإلى أين سنذهب؟ ما هي الأدوات التي نستخدمها في مسارنا المعرفي؟ ما هو التراث الذي يمكن أن نستند إليه في هذا المسار؟ ما الفرق بين آبائنا - الذين كانوا يعيشون على أرض مسطحة ثابتة ساكنة, مكونة من عناصر أربعة, عمرها 4400 عام, وحدودها تبدأ من الشرق، ومغربها كانت في عين حمئة, وتقع في مركز العالم الذي انتهت صناعته - وبيننا نحن - الذين نعيش في كون ليس له حدود, عمره 13 مليار عام, ووسط كرة أرضية ليس لها حيثية مركزية بالنسبة إلى أي مكان, وعمرها 3 مليارات عام, ومعرّضة للإصابة بأحجار سماوية معلقة ومتحركة, وتحيى في ظل الكثير من التطورات والتحولات، ما يبرهن بأن صناعة الكون لم تنته؟ إن الإنسان، الذي هو حصيلة هذا التطور ولا يزال يسير في طور ذلك، قد تصوّر في الماضي أن الدين والملة والثقافة الوحيدة في العالم هي ثقافته وملته ودينه، وبعد تطوّر العلم واكتشاف بقاع أخرى على سطح الأرض، أدرك بأنه ليس كائنا أنانيا وحيدا، بل يعيش ويتعايش مع ملل وأديان أخرى في ظل نظم معرفية متعددة تنظر إلى العالم بصورة مختلفة.

 

إن "تنوير"، قبل أن يكون مركزا اجتماعيا - ثقافيا, هو مسعى معرفي. فنحن في المركز لا ندّعي امتلاك مفاتيح جميع الحلول للإجابة عن مختلف الأسئلة، بل نسعى وبصورة متواضعة في سبيل الوصول إلى فهم أفضل لعالمنا الذي نعيش فيه وعصرنا الذي ننمو فيه وحقوقنا التي نحتاج إليها. ما يجمعنا ليس هو الأجوبة, بل الأسئلة وضخامتها. نرحب بالتعاون مع أي جهد فكري وعملي للسير في هذا الطريق المعرفي, ونغض الطرف عن التباينات الفكرية والسياسية مادامت عملية التعاون تستند إلى: 1) البحث عن الحقيقة. 2) الإيمان بحقوق الإنسان الفرد. 3) السعي الشجاع لتقليل آلام الإنسان. فالإنسان الذي تشغله تلك الأمور الثلاثة هو بلا شك إنسان "تنويري".

 

إن تفسير بعض العناوين التي سوف نشير إليها، هو من أبرز ما نؤمن به في "تنوير".

 

الدين والحقيقة

 

نؤمن في "تنوير" بضرورة أن تستند العلاقة بين الدين والحقيقة إلى الوضوح والشفافية. الدين هو، بالمحصلة، شأن إنساني يتناسق مع سعي الإنسان لكشف الواقع. ويعتبر العلم التجريبي والعلوم العقلية من أهم مصادر كشف الحقيقة والواقع في العصر الحديث. لذلك، أي تفسير عن الدين وعن معارفه يجب ألاّ ينافي نتائج هذه العلوم.

 

لقد استطاع الإنسان في العصر الحديث, وبعد عدة حروب وصراعات وثورات، أن يثبّت لنفسه حقوقا بشرية تتناسق مع طبيعته وهويته ودوره في المجتمع. وأي تفسير ديني يشير إلى دور الإنسان في الحياة الحديثة لابد أن يقرّ بهذه الحقوق، التي نعتقد بأنها يجب أن تنبع من الهوية الإنسانية, من الإنسان من حيث كونه إنسانا.

 

وفي سبيل ذلك، لابد من توضيح الحدود التي تفصل بين الدين وبين المعارف الأخرى، وأن نجيب عن الأسئلة التالية: ما الشيء الذي جاء الدين من أجله؟ هل نتوقع من الدين أن يمتلك أجوبة على كل مسائل الحياة, من علم وفلسفة وفنون (والذي يسمى بالدين الجامع)؟ أم إننا نتوقع منه بعض الأجوبة والإرشادات الخاصة (وهو ما يسمى بالدين الكامل)؟  

 

الدين والعلم والعلمانية

 

إن العلمانية (secularization)التدريجية, وسيطرة العلوم على الحياة, هي نتائج توصلت إليها البشریة عن طريق نقد الفهم الدينی التاريخي ومن خلال مواجهة السلطة الدينية التاريخية.كما أن الإلتقاء بالأديان الأخرى كمسعى للعبور نحو الحداثة، تمثل أصل الحوار الذي نسعى إليه. فنحن نعيش على هامش العالم الحديث لا في مركزه،نُعتبر مشاهدين لا فاعلين أو لاعبين، معرفتنا بالعالم الحديث لم تنبنِ على بصيرة عميقة،رجال الدين لم يساهموا في المساعدة على فهم العصر الحديث وفي التعرف على وسائله المعرفية. من هذا المنطلق، تعتبر العلوم التجريبية والإنسانية والفسلفية والتاريخية - في نظر رجال الدين - تهديدا للمعرفة الدينية لا فرصة لفهم مضامينها. لذا، نتساءل: أي من رجال الدين ساهم في تطوير الفكر الديني التقليدي خطوة إلى الأمام؟

 

لقد تعايشنا، نحن العرب والمسلمون، مع التطورات التكنولوجية وتقنياتها دون أي إدراك لآثارها. وأنكرنا النظريات العلمية في المجالات الإنسانية والتاريخية والاجتماعية، وأدرنا ظهرنا لإنجازاتها الكبيرة بحجة وجود مثل تلك الإنجازات - بل أحسن منها - في نصوصنا التراثية، ولم ندرك بأن تأسيس مثل تلك النظريات لا يتم عن طريق الاستعانة ببعض العبارات التاريخية.

 

إن العلم ذو هوية جمعية. كما أن وجه الحقيقة الساطع يبرز إثر صراعات علمية عميقة. ولو افترضنا أن الإنجازات العلمية كانت متأصلة دينيا وتاريخيا، وكانت موجودة في النصوص التراثية, إلا أنه من حقنا أن نتساءل: لماذا بقينا صامتين إزاءها؟ لماذا نسكت ونسكت ونسكت حتى يكتشفها الآخرون؟ بعبارة أخرى، تصبح النظريات العلمية واقعا علميا انطلاقا من التحقيق المكثّف حولها. فكيف، إذاً، يمكن القول بأننا نستطيع أن نكتشف تلك النظريات في نصوصنا التراثية؟ إن كل نظرية علمية هي جزء لا يتجزّأ من العلوم, ولا معنى لوجود نظرية علمية دون وجود تلك العلوم. فنحن لا نملك علوما، مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأنسنة وعلم الفيزياء، فكيف يمكن أن نمتلك نظريات لهذه العلوم؟

 

على هذا الأساس، نحن نؤمن في "تنوير" بأن البشریة قادرة على دراسة أي ظاهرة في إطار مجالات أربعة: المجال المعرفي, والإنساني, والميتافيزيقي, وعلم الواجبات (الأخلاق والحقوق -deontology). إن انفصال التراث عن الحداثة جرى في جميع المجالات الأربعة. لكن السؤال هو: متى وقع الانفصال بالضبط؟ وعلى سبيل المثال، متى انفصل الفقه عن علم الحقوق الحديث؟ متى حدثت الهوة بين القيم والأخلاق القديمة وبين القيم والمعايير الحديثة؟ متى انفصل ما بعد الطبيعة وأصالة الواقع الساذج (naïve realism) عن ما بعد الطبيعة وأصالة الواقع المعقّد (sophisticated realism) المتعلق بالعالم الحديث؟ كيف حدثت الثورات في الأسس والمناهج المعرفية للإنسان؟ كيف تولّد مفهوم الإنسان الفرد الحر، والمجتمع الحر؟ هل تستطيع العلوم الطبيعية القديمة، المذكورة في النصوص التراثية، أن تفسر ماهية وقدرات الإنسان الحديث؟ كيف نفسر للعالم، في ظل وجود نظريات حول الحيرة والشك واللايقين (uncertainty) وحول علم الأنساب (Genealogy), مسألة اختيار الإنسان، ومفهوم العلية والسببية، وبراهين إثبات الله، وعلاقة الغيب بالشهادة، وربط  الأمر المادي بغير المادي؟ إننا نعيش في ظل النظريات الفيزيائية والبيولوجية، وفي إطار فلسفة الذهن وفلسفة المنطق وعلم الكون وغيرها من الفلسفات والعلوم الحديثة.

 

إن وهم الاستغناء عن الآخرين، يمنعنا عن فهم عالمنا الذي نعيش فيه، ويصدّنا عن فهم المعارف المختلجة فيه. فتراثنا ليس مجموعة خالصة ونهائية من المعارف، إنما هو خليط من آراء الفلاسفة والعلماء القدماء. رجال الدين المسلمون فسروا الدين حسب المعارف القديمةمع تغلغلتلك التفاسير في الأذهان اليوم، فذلك لا يمكن أن يعني أصالة تلك التفاسير، ولا يمكن اعتبار إجاباتها نهائية. فالإنسان يحاول في كل عصر أن يفهم العالم حسب ظروف عصره والإنجازات المختلفة فيه. إذا تطورّ فهمه عن العالم سيتطور فهمه عن الدين أيضا. هذه حقيقة لاتحتاج إلى دليل, بل تحتاج إلى إشارة لتاريخ تطور الفكر البشري. نحن نحتاج في العصر الحديث إلى فهم جديد للدين يتسق مع المعارف الإنسانية في مجال العلم والفلسفة والتاريخ والقيم والأخلاق وحقوق الإنسان الفرد.

 

السلوك الديني والأخلاق

 

نؤمن في "تنوير" بضرورةأن ترتكز اهتمامات الدين على السلوك الفردي. فالدين مجرد طريق معنوي خاص لا مجموعة من القضايا التاريخية والمنطقية والكلامية. التمايز الواضح بين المتديّن وغيره، هو في سلوكه الإيماني. لذلك، نؤمن بأن التديّن لا يعني امتلاك الحقيقة، بل یعنی كشف الحقيقة، والسلوك نحوه. امتلاك الحقيقة يغلق باب الحوار ويفتح أبواب الإقصاء. فحينما يعتقد الشخص بأنه امتلك كامل الحقيقة، سيؤثر ذلك في علاقاته الثقافية والاجتماعية والنفسية مع مختلف أفراد المجتمع، وسيحرمه ذلك من نعمة التعلّم من الآخرين. إن بعض نتائج ذلك هو بروز النرجسية، أنْ نتخيّل الصورة أكثر مما هي منعكسة في الواقع.

 

إننافي "تنوير" نتفق مع ما تفرزه العقائد الدينية من أخلاق من شأنها ألا تتنافى مع السلوك الإنساني، ونشدد على ضرورة مراعاة الأصول الأخلاقية في سلوكنا مع الآخرين، ونؤكد على التعايش (القبول أو الرفض) مع الآراء التي تتبع قواعد أخلاقية خاصة، أخلاقيات الاعتقاد (ethics of belief). بناء على ذلك, نؤمن بأن بعض أنواع القبول أو الرفض هو شأن غير أخلاقي إذا لم يستند إلى دليل. وهذا - في نظرنا - هو خطوة أولى في طريق الإيمان بالعقلانية.

 

وعليه، نؤمن بوجود تعاليم وقيم تشترك فيها جميع الأديان، ما يجعلنا نقتبس منها ما یمكّننا من بناء أخلاق عالمية. فالقاعدة الذهبية في الأخلاق تستند إلى الجملة التالية: "حب للآخرين ما تحب لنفسك واكره للآخرين ما تكره لنفسك", ما تعتبر مصداقا  للأخلاق العالمية التي يتوافق عليها العقل والدين.كما نعتقد بأن تراثنا الديني والاجتماعي ارتكز في دعوته للأخلاق على "التكاليف" لا على "الحقوق". وعليه، لابد أن نبدأ بتعليم النشء من البيوت، منطلقين في ذلك من ضرورة المطالبة بـ"الحقوق" مع عدم تجاهل "التكاليف", فـ"الحقوق" تعتبر أصلا من أصول الكرامة الإنسانية ولا يمكن بأي حال من الأحوال سلبها من الإنسان.

 

تحديات الدين

 

نؤمن في "تنوير" بأن التحدّيات التي تواجه الدين في العصر الحديث هي ثلاثة، وعلى رجال الدين البحث عن حلول إنسانية وعقلانية لها في ظل هيمنة علم الكلام القديم - غير القادر على مواجهة الأسئلة العلمية والحياتية الحديثة - على مناهجهم البحثية.

 

التحدي الأول هو: دعوة العلوم الحديثة (التجريبية والإنسانية) والمعارف الفلسفية الحديثة والمعارف التاريخية, الإنسان المتديّن لترسيم حدود جديدة بين الدين والمعارف البشرية، والاستفادة من تلك المعارف في تفسير النصوص الدينية. فالمفسرون القدماء فسّروا النصوص انطلاقا من فهمهم الخاص بشأن الطبيعة والإنسان والكون. ومعظم تلك المعارف، وبالذات الطبيعية والفلسفية منها، بدت منتهية الصلاحية في العصر الحديث.

 

التحدي الثاني هو: الدعوة لاحترام حقوق الإنسان، الموثقة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 إضافة إلى كل ما أضيف إليه من بنود جديدة لاحقا، الأمر الذي يتعارض مع الكثير من مفاهيمنا القديمة عن الدين والإنسان، ما يحتاج إلى إعادة نظر.

 

التحدي الثالث هو: الدعوة لأخلاق عالمية، وهو ما يتنافى مع العديد من آرائنا المتأثرة بفهمنا القديم عن الدين.

 

أصالة الثقافة

 

نؤمن في "تنوير" بأصالة الثقافة. فحينما نرفض تغيير بعض عاداتنا وتقاليدنا واعتقاداتنا، ونرفض الاقتراب من منطقة تغيير أذهاننا, سوف لن يتغير شيء في المجتمع. فالتغير الخارجي هو نتيجة للتغير في مجال الذهن. من هذا المنطلق، نشدد على نقد ثقافة العوام. إن البعض الذي يشدّد على إبعاد الناس عن المعرفة وعلى استمرار تغذية أذهانهم بالخرافة، إنما يرتزق من الدين ولا يستطيع الدخول في نفق التغيير، خوفا من تغير حياته وتأثر مصالحه.

 

التعددية والعقلانية

 

نؤمن في "تنوير" بالتعددية (pluralism)، تعددية طرق الفلاح والنجاة،لا تعددية الحقيقة. الحقيقة واحدة لا متكثرة، لكن فهمنا لها متكثر ومتعدد. نؤمن بالعقلانية الناقدة, ولا نقصد من ذلك العقل الفردي فحسب بل - كما جاء سابقا - العقل الجمعي أيضا، ونعتقد بأن ذلك هو سبيلنا الوحيد لحل مشاكلنا. فالعقل هو مصدرنا لكشف الحقيقة واستخراج معانيها (العقلانية الناقدة). إن العقلانية, في أدق معانيها, تعني وجود علاقة بين الاعتقاد بقضية أو رأي من جهة، وبين قوة الشواهد المؤيدة والمُبرهنة على تلك القضية أو الرأي من جهة أخرى.

 

 

من بين الطرق المتعددة في اقتناص الحقائق وكشفها, يقف العلم التجريبي على رأس من يقتنص هذا الأمر، بسبب مكانته العلمية البارزة. لكننا في المقابل يجب ألا نرضخ "للصنمية العلمية" (أو لعبادة العلم التجريبي)، بل نؤمن بأن طرق الوصول إلى الحقائق والوقائع متعددة ومتنوعة.

 

إن المصدر الأساسي للحصول على المعرفة يكمن في الشأن العقلاني (Rational). فلكي يتحول الادعاء إلى  معرفة لابد أن يستند إلى الدليل. لذلك، من الخطورة بمكان قبول الآراء غير العقلانية (Anti Rational)، أي الآراء غير المستندة إلى دليل، فذلك سيحبط مساهمات تطور المجتمع وتقدمه. إن الحكم المسبق على الآخرين بوصفهم يخالفون الحقيقة, والحكم على مختلف الآراء والأفكار دون أي معرفة مسبّقة، على اعتبار أن ذلك جاء انطلاقا من منابع مختلفة, هو شأن يخالف العقلانية والتعقّل.

 

 

العلمانية

 

نؤمن في "تنوير" بالعلمانية (secularism). فالعلاقات المتصوّرة في هذا العالم، بحسب الرؤية الكونية القديمة، لا تخلو من أربعة أمور: 1) ارتباط الإنسان بالله. 2) ارتباط الإنسان بنفسه. 3) ارتباط الانسان بسائر البشر. 4) ارتباط الإنسان بالطبيعة. فالدين، وفق فهمنا للعلمانية، جاء لتنظيم العلاقات في إطار الأمرين الأول والثاني. وبناء على ذلك, لابد، في مجال العلاقات بين الإنسان والإنسان, وبين الإنسان والطبيعة، من العمل على أساس معايير وضوابط عقلية. وعليه، لا نعتقد بأن الإيمان بالعلمانية يستلزم عدم الإيمان بالأديان.

 

حقوق الإنسان

 

نؤمن في "تنوير" بأن مسؤولية كل شخص تکمن فی السعي لضمان احترام وافر لحقوق الإنسان, لأنه البوابة لاحترام الحريات, وتحقيق العدالة, والدفاع عن السلام العالمي, ومنع العنف، والتقليل من آلام البشر.

 

إن احترام حقوق الإنسان يرتبط بفهم خاص للإنسان ناتج عن استيعاب الحداثة والعيش فيها. فمن دون فهم الأسس المعرفية التي ظهر فيها مفهوم الانسان في العصر الحديث، لايمكن أن نتعرف على كنه هذا المفهوم. العلوم الاجتماعية (social sciences)والإنسانية (humanities)اللتان غابتا عن العصور الماضية ساهمتا في ظهور النظرة الحديثة للإنسان. هوية الإنسان القديم كانت تُعرّف في نطاق قبيلة الإنسان أو دينه أو أسرته، أو في ظل الأمة التي ينتمي إليها. لكن الإنسان الحديث بات مصداقا لمفهوم المواطنة (citizenship) فی المجتمع، متجاوزا كل الأطر القدیمة الضيقة.

 

ندافع في "تنوير" عن ثقافة احترام حقوق الانسان، الفرد، ونسعى لانتشارها وتعلمها في المجتمع. ونرحّب بكل تفسير إنساني جديد للدین يدافع عن تلك الحقوق ويواجه مختلف صور الظلم والتمييز التاريخية والراهنة. نعتقد بأهمية قيام المشرّعين بتشريع قوانين تستند إلى احترام حقوق الإنسان بما يتوافق مع العقل ومع متطلبات الحياة العصرية الحديثة.

 

المرأة

 

نؤيد في "تنوير" المحاولات الدؤوبة لحصول المرأة على كامل حقوقها بما يجعلها غير مميزة عن الرجل. لابد من إعطاء المرأة الفرص الکاملة لتحقيق هذه المهمة. تجاهل وجود رؤية أنثوية للعالم هو جهالة ذكورية، وهو ما يتخفى وراء نظريات سخيفة - عنيفة ينسبها البعض إلى الدين. لابد من إعطاء المرأة فرصا لطرح رؤيتها عن العالم، وعن الوجود، وموقعها فيه، بصورة متساوية للفرص التي أعطيت للرجل وللتراث. 

 

الحوار

 

نشدد في "تنوير" على أهمية الحوار (dialogue) وضرورته في الحياة، ولا نؤمن بالجدل (debate) الذی يسعى فحسب إما نحو الحقيقة المطلقة أو إلى اتهام الطرف الآخر بالبطلان. لابد لطرفي أي حوار أن يشرعا في التحاور استنادا إلى الفرض القائل بأن وجهتي نظرهما حول الحقيقة نسبية، لأنهما لا يعكسان الحق المطلق، إنما دخلا منطقة الحوار لكي يعلّما بعضهما، لا أن يلغيا بعضهما، ولكي يكشفا بعض أبعاد الحقيقة من خلال الحوار، فالذي لا يَدرك جهلـه يكون الضلال بيته.

 

تاريخ المعرفة البشرية يشهد بأنّ الإنسان يفسّر العالم وفق النظريات المطروحة في عصره، ومعرفة العالم تختلف باختلاف هذه النظريات. تاريخ معرفة البشر هو تاريخ الصراع بين هذه النظريات. وآخر تلك النظريات لا يعني بالضرورة أنها أصح النظريات، وإذا كان هذا هو الحال, نكون دخلنا منطقة احتكار الحقيقة، ما يعني أننا لم نتعلم دروس المعرفة، ونجهل تاريخ تطوّرها. إذا قبلنا بهذا الواقع, لن تتوفر أمامنا أي حلول للتحاور مع الآخرين والتعايش معهم، في حين أننا لا نملك إلا التسامح المعرفي والاجتماعي والثقافي. التسامح ليس محاولة دبلوماسية لمواجهة الخصم، هو الطريق الوحيد للتعايش مع الآخرين. فلكل شخص رأيه حول الحقيقة. لذا، هدفنا يسير في طريق التعلّم من الآخرين لا إلغائهم. التسامح هو التزام معرفي، لا نوع من الشفقة تجاه الضعفاء، أو نوع من الخصومة تجاه الأقوياء.

 

الأيديولوجيا

 

لا نتفق في "تنوير" مع الأيديولوجيا (ideology) الساعية إلى امتلاك تفسير واحد عن العالم إنطلاقا من مدرستها الفكرية المنتهية نتائجها إلى الإستبداد الفكري والانسداد المعرفي. الأيديولوجيا هي وعي كاذب لا وعي حقيقي. هي انعكاس لـ"شبه المعرفة" (pseudo knowledge) وليست انعكاسا للمعرفة الحقيقية. أصحاب الأيديولوجيا، الدينية وغير الدينية، في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو غيرها، يرفضون أي تفسير خارج إطار مصادرهم المعرفية. الأيديولوجيا عادة ما تضع حاجزا بين أمرين: نحن / هم – مدرستنا / مدرستهم، لا تعترف بحقوق الآخرين، والتأصيل الفكري لهذا الحاجز هو حجر أساسها.

 

يوجد فی العالم الذي نعيش فيه، مختلف صور الظلم والكراهية والبغضاء والجهل والخرافة. علينا أن لا نجعل العالم مكانا أسوأ للحياة. يجب أن نقلّل من مقدار الآلام، ونساهم في وضع حلول للجهل، ونقف في وجه الظلم والكراهية بكل ما نملك من قوة. إن المسائل الفكرية والمشاكل العملية التي تجتاح العالم تحتاج إلى معرفة، ومن ثمَّ إلى حلول. إن الاعتراف بعجز البشرية عن امتلاك حلول في جميع العصور هو خطوة أولى في مشوار الدخول في العصر الحديث.. تعالوا معا لنخطو هذه الخطوة بتأن..