الاصلاح الديني
الرئيسية       الاصلاح الديني      التسامح الديني.. والتسامح غير الديني

الكاتب: فاخر السلطان     04 October 2018

 

 

 

 

 

التسامح الديني.. والتسامح غير الديني

 

فاخر السلطان

 

 

 

 

 

نستغرب كثيرا حينما يطالب إسلاميون بـ"اﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ"، ونستغرب أكثر حينما يطالبون بذلك من خلال "ﻧﺒﺬ ﺍﻟﺘﻌﺼّﺐ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻲ" فقط، فعدم التسامح ﻳﺆﺩي، حسب هذا الفهم، ﺇﻟﻰ "ﻛﺮﻩ الآخر" ﻭ"ﺗﻜﻔﻴﺮه ﺩﻭﻥ ﺑﻴّﻨﺔ ﺃﻭ ﺑﺮﻫﺎﻥ"، وهو ﺗﻔﺴﻴﺮ ديني ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ ﺿﻴّﻖ ﻻ ﻳﻤﺖ ﻟلمفهوم ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ للتسامح بصلة، وهو يسعى أيضا ﻟﻄﺮﻕ الباب ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ التاريخي للمفهوم، ﻭﻻ ﻳﻌﺒﺄ بطرق بابه الإنساني. فهي مطالبة ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ "ﺍﻟﺒﻴّﻨﺔ" الدينية، ﺃﻭ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺜﺒﺖ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍلاﺳﺘﻨﺒﺎﻁ ﺃﻧﻪ ﻣﺨﺎﻟﻒ ﻟﺼﺮﻳﺢ ﻣﺎ يورد ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﻣﻨﺎﻫﺾ ﻟﻤﺎ ﻳﺪّﻋﻴﻪ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﺪيني، وبالتالي ﻻ يستطيع ﺃﻥ ﻳﺘﻌﺎﻳﺶ ﻣﻊ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺮﺍﻫﻨﺔ، لأنه لن يعترف سوى بأدلته ﺍﻟﺘﺎﺭيخية.

 

 

ﻭهنا نطرح بعض التساؤلات: ﻣﺎ ﻣﺼﻴﺮ ﺍﻟﺮﺅﻯ والأفكار ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ "ﺍﻟﺒﻴّﻨﺔ والبرهان" ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻜﻔﻴﺮ؟ ﻫﻞ ﻳﺠﺐ ﻣﻮﺍجهتها ﻭﻃﺮﺩها ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﻣﺤﺎﺭﺑﺔ ﺃﻓﺮﺍﺩها، ﺃﻡ هي ﺟﺰﺀ ﻣﻦ ﺻﻮﺭ ﺍﻟﺘﻨﻮّﻉ ولازمة من لوازم ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ (وقد تمّت دعوة العديد من الشخصيات إلى البلاد لتقديم فعاليات اجتماعية وثقافية، ثم جرى طردها لأسباب تتعلق بـ"البيّنة في التكفير")؟ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺪّﺩ ﻣﺎ ﻫﻮ "ﺑﻴّﻦ ﻭﻣﺒﺮﻫﻦ" ﺑﻜﻔﺮﻩ، ﻭﻣﺎ ﻫﻮ ﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ؟ ﻭﻣﺎ ﻣﻮﻗﻒ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮؤى ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻟﻠﺘﺴﺎﻣﺢ، والذي ﻻ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﻓﻲ ﺗﻌﺮﻳﻔﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍلدينية ﺍﻟﻀﻴﻘﺔ؟ ﻭﻣﺎ ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ ﺍﻟﻜﻮﻳﺘﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺅﻳﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ هذه، ﻫﻞ يتماشى ﻣﻌﻬﺎ ﺃﻡ يتماﺷﻰ ﻣﻊ ﺍﻟﺮﺅﻳﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ؟ ﻫﻞ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻃﺮﺡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺅﻯ الدينية ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺤﺴﺐ ﺇﻻ ﺣﺴﺎﺏ ظروفها وﻣﺼﺎﻟﺤﻬﺎ ووصايتها، وﻻ تعترف بتنوّع المجتمع بمكوناته الثقافية والاجتماعية؟

 

يبتعد ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ الإنساني ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻟﻠﺘﺴﺎﻣﺢ، ﻣﺴﺎﻓﺎﺕ ﺯﻣﻨﻴﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻤﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﺍلتفسير الديني التاريخي، بسبب ارتباط هذا التفسير بالجغرافيا والتاريخ والثقافة القديمة، ولعدم اعترافه بصور الحياة الراهنة ومعاييرها. فالعالم الراهن، باعتماده على المفهوم الحديث للتسامح، استطاع أن يحقق ﻗﻔﺰﺍﺕ ﻧﻮﻋﻴﺔ ﻓﻲ مسائل ﺍﻟﺘﻌﺎﻳﺶ، ﻓﻴﻤﺎ ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﺍلوسط الديني يعاني من عدم القدرة على هضم فكرة التعايش الحديثة، وهو يستغل موضوع التسامح ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻗﺎﺻﺮﺓ ﻭﺑﻌﻴﺪﺓ ﻋﻦ ﺃﻱ هدف ﺣﻀﺎﺭﻱ.

 

ﻓﻬﻞ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﻣﻮﻗﻒ ﻣﺪّﻋﻲ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ الديني ﻣﻦ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺤﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، أي من ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﺘﺮﻣﻮﻣﺘﺮ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻲ ﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﻣﻦ ﺑﺎﻗﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﻊ ﺗﺤﺖ ﺇﻃﺎﺭﻫﺎ ﻭﻳﺤﺘﻮﻳﻬﺎ ﻣﻠﻒ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ، ﻫﻞ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﻣﻮﻗﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺍﺕ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺎﺕ ﻏﻴﺮ الإسلامية ﻭﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪﻳﺔ؟ ﻫﻞ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﻣﻮﻗﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﺣﺮﻳﺔ ﺍلتعبّد ﻟﻠﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ يدْعون باستمرار ﻟﺒﻨﺎﺀ ﻣﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻨﺎﺋﺲ ﻓﻲ البلاد؟ ﻫﻞ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﻣﻮﻗﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺼﻮﻓﻴﻴﻦ ﻟﺸﻌﺎﺋﺮﻫﻢ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ، ﺧﺎﺻﺔ ﻭﺃﻥ هناك الكثير من ﺍﻟﻜﻮﻳﺘﻴﻴﻦ ينتمون لهذه الفئة؟ ﻫﻞ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﻣﻮﻗﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﺗﻄﺎﻝ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻭﺃﻓﺮﺍﺩﻩ؟ ﻫﻞ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﻣﻮﻗﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻭﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﻳﺖ، ﻭﻧﻈﺮﺗﻬﻢ ﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍلاﺭﺗﺪﺍﺩ، ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ، ﻭﺍﻟﻤﺮﺃﺓ، ﻭﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﻭﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ، وﺍلإﻟﺤﺎﺩ، ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﺧﻄﻮﻃﺎ ﺣﻤﺮﺍﺀ ﺩﻳﻨﻴﺔ؟ ﺃﻡ ﺃﻥ ﻗﻀﻴﺔ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﻓﻘﻂ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﻛﻮﻳﺘﻴﻴﻦ ﺳﻨّﺔ ﻻﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﺘﻌﺎﻳﺸﻮﺍ ﻣﻊ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻭكويتيين شيعة لابد أن يتعايشوا مع السنّة؟ هل ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻳﺘﺸﻜّﻞ ﻓﻲ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻲ أم ﺇﻧﻪ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺇﻧﺴﺎﻧﻲ ﻭﺍﺳﻊ ﻭﺷﺎﻣﻞ ﻭﻛﺒﻴﺮ ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﺍﻷﺻﻮﻟﻲ ﺑﺸﻘﻴﻪ ﺍﻟﺸﻴﻌﻲ ﻭﺍﻟﺴﻨﻲ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﺃﻫﺪﺍﻓﻪ ﻭﻣﻘﻮﻣﺎﺗﻪ، ﻭﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺠﺎﺭﻱ ﻣﺨﺮﺟﺎﺕ ﺗﻔﺴﻴﺮﻩ؟ ﻭﺣﺘﻰ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ "ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺤﻴﺔ" ﺍﻟﺴﻨﻴﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻭﺍﻟﺸﻴﻌﻴﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺴﻨﺔ، فهي ﻻ ﺗﺨﻠﻮﺍ ﻣﻦ ﺗﻔﻀﻴﻞ ﻃﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﺁﺧﺮ، ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻢ ﻃﺮﺡ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ أﻧﻪ "ﻣﻨّﺔ" ﻣﻦ هذا الطرف تجاه ﺍﻵﺧﺮ ﻭﺃﻣﺮ ﻻﺑﺪ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﻳﺶ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ. ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ الأصولية لمسألة ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ، ﺳﻮﺍﺀ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻜﺲ، ﻫﻲ ﻧﻈﺮﺓ ﻓﻮﻗﻴﺔ ﻭلا ﺗﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍطنة.

 

وإذا افترضنا أنّ مجموعة ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ طلبت من الحكومة الاعتراف بها ﻭﺗﺸﺮﻳﻊ ﻋﻤﻠﻬﺎ ﻛﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻠﺤﺪﺓ، ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﺡ ﻟﻬﺎ ﺑﺘﺸﻜﻴﻞ ﺟﻤﻌﻴﺔ ﺗﺪﻋﻮ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻷﻓﻜﺎﺭﻫﺎ ﻭﺃﻧﺸﻄﺘﻬﺎ، ﻓﺈﻥ ﺃﻭﻝ ﺻﺪﻣﺔ ﺳﺘﻮﺍﺟﻬﻬﺎ ﻭﺃﻭﻝ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻴﻞ ﺳﺘﻮﺿﻊ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻬﺎ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺤﺮﻛﺎﺕ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺠﻤﻌﺎﺕ الدينية ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻨﺘﻤﻲ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻣﺪّﻋﻮ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﺍﻷﺻﻮﻟﻲ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺳﺘﻨﻌﺘﻬﺎ ﺑﺎﻟﻜﻔﺮ وتقمعها ﻭﺗﻔﺮﺽ ﺍلاﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﺤﺠﺔ ﺍﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ "ﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﻭﺍﻟﻤﺴﻠﻤّﺎﺕ ﻭﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ"، ﻭﺍﻟﻤﺒﺮّﺭ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻨﻊ ﻳﺮﺗﺒﻂ ﺑﺎﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻣﻬﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﺘﺄﻳﻴﺪ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﻧﺼﻮﺹ ﻭﺭﻭﺡ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ ﺍﻟﻜﻮﻳﺘﻲ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪﺓ، وﻣﺤﺼّﻠﺔ ﺫﻟﻚ ﻋﺪﻡ الاﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑﺤﺮﻳﺔ الاﻋﺘﻘﺎﺩ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺟﺰﺀ ﻻ ﻳﺘﺠﺰﺃ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻟﻠﺘﺴﺎﻣﺢ ﻭأحد روافد ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ الحاثّة على التعايش.

 

فالاعتراف ﺑﺤﺮﻳﺔ ﺍلاﻋﺘﻘﺎﺩ ﻟﺪﻯ الإنسان، انطلاقا ﻣﻦ ﺣﻘﻪ ﻛﺈﻧﺴﺎﻥ، ﻭﻟﻴﺲ انطلاقا ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻭﺍﻟﺠﻮﺍﺯ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ، ﻫﻮ ﻣﻮﻗﻒ ﻳﺪﻟّﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ ﺍلحرية ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺤَﻜَﻢ ﻟﻘﺒﻮﻝ ﺃﻭ ﺭﻓﺾ كل ما يتعلق من سلوك مرتبط بها. بينما الاعتراف ﺑﺬﻟﻚ انطلاقا ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻳﺪﻟّﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ، ﻫﻮ ﺍﻟﺒﻮﺻﻠﺔ ﻓﻲ ﺗﺄﻳﻴﺪ ﺃﻭ ﺭﻓﺾ ﺣﺮﻳﺔ الاعتقاد ﺃﻭ رفض ﻣﺠﻤﻞ ﺍﻟﺤﺮﻳﺎﺕ الإنسانية الأخرى. وﺩﺳﺘﻮﺭ ﺍﻟﻜﻮﻳﺖ ﻓﻲ ﺩﻓﺎﻋﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ، ﻭُﺿﻊ ﻟﻜﻲ ﺗﺴﻴﺮ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻓﻲ ﺭﻛﺐ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ، ﻻ ﺃﻥ ﺗﺘﺮﺍﺟﻊ ﻭﺗﺘﻘﻬﻘﺮ ﻭتستمر ﺃﺳﻴﺮﺓ للتفسيرات التاريخية .

 

وهنا لابد من القول بأنه لا يمكن التشكيك في نوايا أصحاب ﺩﻋﺎﻭﻱ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ من المنتمين للوسط الديني، ﻟﻜﻦ لابد من ﺍﻟﺘﺸﻜﻴﻚ ﻓﻲ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﻄﻠﻘﻮﻥ ﻣﻨﻪ، أي الإطار الفقهي التاريخي، والذي لا يعترف ﺑﻤﻔﺎﻫﻴﻢ ﺣﻘﻮﻕ الإنسان ﺍﻟﻔﺮﺩ، ولا ﺑﺎﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ، ولا ﺑﺎﻟﺘﻌﺪﺩﻳﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ، ولا ﺑﺤﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻌﺒّﺪ ﻭﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﻄﻘﻮﺱ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ المختلفة، ﻓﻬﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ يعارض إطاره الديني وﺗﺮﻓﺾ منطلقاته ﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﺍﻟﻮﺍﺳﻊ والإنساني ﻟﻠﺘﺴﺎﻣﺢ، ﻓﻲ ﺃﻥ ﺗﻔﻀﻲ ﺩﻋﻮﺍﺗﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺤﺒّﺔ ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻓﻲ المجتمع؟

 

 

 

اكتب تعليقا