الاصلاح الديني
الرئيسية       الاصلاح الديني      محمد، بطل التنوير الأوروبي ضد رجال الدين

الكاتب: جون تالن (ترجمة مركز "تنوير" للثقافة)     14 August 2019

 

 

 

 

 

 

محمد، بطل التنوير الأوروبي ضد رجال الدين

 

جون تالن*


 

في القرن ١٦ ميلادي، اعتبرت ترجمة القرآن وطباعته ونشره في أوروبا عملاً متهورًا وخطيرًا للغاية، حيث اعتقد رجال الدين المسيحيون بأن ذلك سيساهم في خداع الناس وتضليلهم. كان ذلك، على سبيل المثال، قناعة مجلس بازل البروتستانتي في عام ١٥٤٢، حيث أقر معاقبة دار نشر محلية سعت لنشر كتاب المسلمين المقدس. وعزز تدخّل الإصلاحي المسيحي مارتن لوثر ذلك، حينما قال بأنه "لا توجد طريقة لمحاربة الأتراك - الإمبراطورية العثمانية - أفضل من نشر وفضح أكاذيب الإسلام".

 

وهكذا، فإن طباعة القرآن المترجم في عام ١٥٤٣، أتاحت للمثقفين الأوروبيين قراءته. وفي واقع الأمر، كان هدف هؤلاء هو التعرّف على الإسلام بصورة أفضل لكي يستطيعوا مواجهة المسلمين. في حين أن آخرين هدفوا من قراءة القرآن، إلى التشكيك في عقيدة التثليث المسيحية. من هؤلاء مايكل سيرفيتوس، عالم اللاهوت الكاتالوني البارز، الذي قدم العديد من الحجج القرآنية ضد العقيدة المسيحية، حيث اعتبر في كتاباته أن محمد هو شخصية إصلاحية قاد الناس إلى التوحيد الخالص في الوقت الذي قامت فيه الكنيسة بتحريف التوحيد من خلال عقيدة التثليث. بعد نشر هذه الآراء التجديفية (من وجهة نظر الكنيسة)، حكم على سيرفيتوس بالإعدام من قِبل محاكم التفتيش التابعة للكنيسة الكاثوليكية، وحُرق في نهاية المطاف وهو بين كتبه في جنوا بإيطاليا.

 

خلال عصر التنوير الأوروبي، عرّف عدد آخر من الكتاب الغربيين محمد بأنه البطل الذي واجه سلطة رجال الدين، فيما اعتبر آخرون الإسلام بأنه نموذج خالص لعبادة الله التوحيدية، وأن القرآن مرجع روحاني. في عام ١٧٣٤ (بعد حوالي قرنين) قدم جورج سيل ترجمة جديدة للقرآن، وشرح في ضوء ذلك التاريخ المبكر للإسلام، ثم عرّف نبي الإسلام باعتباره مصلحا حطم الأصنام وعادى سلطة رجال الدين وندّد بالمعتقدات والممارسات الخرافية للمسيحيين التقليديين وعارض المقدسات المزيفة وفضح جشع رجال الدين.

 

ترجمة سيل للقرآن انتشرت على نطاق واسع في انجلترا وتم الإشادة بها. وكان محمد، بالنسبة لكثير من قراء هذه الترجمة، رمزا لنظام جمهوري (موال لحاكمية الشعب) وأيقونة لمعارضة سلطة رجال الدين. تجاوزت ترجمة سيل تراب إنجلترا، حتى أن توماس جيفرسون، الأب المؤسس للولايات المتحدة، اشترى نسخة منها من مكتبة ويليامزبرغ في فرجينيا عام ١٧٦٥، واستطاع بمساعدة من هذه الترجمة أن يستكشف لاهوتا فلسفيا جديدا يتجاوز حدود العقيدة التي تدافع عنها الكنيسة والقائمة على شراء الخطيئة (نسخة جيفرسون من القرآن موجودة الآن في مكتبة الكونغرس ويستخدمها النواب المسلمون لكي يقسموا على الكتاب المقدس، وتم اللجوء إلى ذلك لأول مرة في عام ٢٠٠٧ من قبل كيث إليسون).

 

في ألمانيا، قرأ الأديب الكبير غوته الترجمة، فساعده ذلك على التعبير عن إحساسه بمحمد كشاعر نبوي. وفي فرنسا، أشاد فولتير بترجمة سيل في كتابه "تاريخ العالم، روح الأمم"(عام ١٧٥٦)، وصوّر محمد على أنه تلميذ فعال ألغى الممارسات الدينية الخرافية للمسيحية واستأصل قوة رجال الدين الفاسدين. في أواخر القرن ١٨ ميلادي، عرّف الإنجليزي ويغ إدوارد غيبون، الذي قرأ ترجمة سيل وكتاب فولتير، محمد في كتابه "تاريخ تراجع وسقوط الإمبراطورية الرومانية" بالعبارات الجميلة التالية: "إيمان محمد خالٍ من أي شك أو غموض، والقرآن شهادة مجيدة على وحدانية الله، فقد رفض نبي مكة عبادة الأصنام وكل صور عبادة النجوم والشمس، وأكد على المنطق القائل بأن أي شروق سيعقبه غروب وأي مخلوق سيكون مصيره الموت وأي شيء غير دائم سينتهي إلى الدمار. لدى خالق الكون، تستكشف الإقرار والثناء على إلهام محمد العقلاني في الوجود والخلود. قد يؤمن اللاهوتي المتعلم بمحمد، وهذا الإيمان سيكون رائعا وسيتجاوز فهمنا الحالي".

 

أما نابليون بونابرت فقد استقبل بإخلاص وبذكاء شخصية النبي. جاء ذلك بعد قراءته للترجمة الفرنسية للقرآن على يد كلود إيتيان سافاري والتي تم نشرها في عام ١٧٨٣. وقد سعى نابليون لإظهار نفسه وكأنه "محمد جديد". حاول سافاري، والذي قام بتنفيذ ترجمته في مصر التي كان صدى جمال اللغة العربية منتشرا فيها، أن يدمج هذا الجمال في نصه المترجم. سافاري، كما جورج سيل، وصف في المقدمة المفصلة لترجمته محمد بأنه رجل عظيم للغاية وغير عادي، عبقري في ساحات الحرب، رجل يعرف كيف يخلق الولاء والصدق بين أتباعه. نابليون قرأ هذه الترجمة وهو على السفينة التي كانت تقلّه إلى مصر في عام ١٧٩٨. وتحت تأثير الصورة التي قدمها سافاري عن محمد باعتباره قائدا عسكريا كبيرا ومشرعًا عامًا متميزًا وسامي الحكمة، سعى نابليون إلى أن يصبح "محمدًا جديدًا"، وكان يأمل من رجال الدين في مصر أن يقبلوه هو وجنوده كأصدقاء للإسلام في سعيهم لتحرير المصريين من الحكم العثماني. حتى أنه ادعى أن دخوله إلى مصر تم ذكره بالفعل في القرآن!

 

كان لدى نابليون فكرة مثالية ومستنيرة عن الإسلام بأنه يحمل في طياته توحيدا خالصا، وفي الحقيقة فإن فشل حملته على مصر يرتبط جزئيًا بنظرته إلى الإسلام، والتي كانت تتعارض تمامًا مع نظرة رجال الدين المصريين. مع ذلك، فإن نابليون لم يكن وحيدا في نظرته على أنه "محمد جديد"، إذ أعلن غوته بشغف أن الإمبراطور (نابليون) كان "محمد العالَم"! ووصفه الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو بأنه "محمد الغرب". وحتى في أواخر سنين عمره حين نفيه إلى جزيرة سانت هيلين، كان لدى نابليون نفس الرؤية حول محمد، وكتب عنه وعن إرثه كرجل عظيم غيّر مسار التاريخ. إن محمد الذي كان داخل عقل نابليون، هو المنتصر، المشرّع، المقنع، صاحب الشخصية الكاريزماتية، فساهم ذلك في مساعدة نابليون نفسه. لكن محمد في واقع الأمر كان أكثر نجاحًا من نابليون، ولم يكن الشخص الذي تم ترحيله إلى جزيرة باردة منعزلة في جنوب المحيط الهادي.

 

إن اعتبار محمد كواحد من أهم المشرّعين، انتقل إلى القرن العشرين. وقد وضع أدولف واينمان، النحات الأمريكي ذو الاصول الألمانية، محمد مع ١٨ شخصية من المشرعين في معرض تم تشييده في القاعة الرئيسية للمحكمة العليا الأمريكية في عام ١٩٣٥. وأشار المسيحيون الأوروبيون في كنائس مختلفة إلى الدور الخاص لمحمد باعتباره نبيًا مسلمًا. وبالنسبة لبعض الكاثوليك مثل لويس ماسينيون أو هانز كونغ، وكذلك اللاهوتي الأسكتلندي والباحث في الشؤون الإسلامية مونتغمري وات، كانت هذه أفضل فرصة لتعزيز الخطاب السلمي والراسخ بين المسيحيين والمسلمين.

 

تستمر مثل هذه الخطابات اليوم، لكن (للأسف) طغت عليها بشدة فورة غضب السياسيين المتطرفين اليمينيين في أوروبا وخارجها على الإسلام. فمن خلال تعزيز شيطنة دور محمد، يروج هؤلاء لسياساتهم المناهضة للإسلام. على سبيل المثال، وصف السياسي الألماني غيرت فيلدرز محمد بأنه إرهابي، تزوج الأطفال، وشخص مصاب بمرض عقلي. وقد تفاقمت هذه الصورة السلبية نتيجة لتقليد المسلمين الأصوليين للسجل التاريخي لحياة محمد، ومن جهة أخرى نتيجة لممارسة المتطرفين العنيفين الإرهاب والقتل دفاعا عن الإسلام وضد كل من يهين النبي. لذا علينا اليوم أن ننظر إلى الوراء ونعيد النظر في الآثار المتنوعة لشخصية محمد.


 

*جون تالن، أستاذ التاريخ بجامعة نانت، ومؤلف كتاب "خصائص محمد: نبي الإسلام في التصورات الغربية، من العصور الوسطى إلى اليوم".

 

 

 

اكتب تعليقا